ست العجم بنت النفيس البغدادية

107

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية

فإنه في حال فنائه في الهوية يعود له نصيب من المشيئة ويعود له مراد ما مستقلا باستقلال جزئيته ، وهذا استمداد من الحديث النبوي ، وقول عائشة رضي اللّه عنها لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أرى اللّه يهوى هواك » وكل هذا مراد اللّه تعالى كالتنازل منه ، وأيضا فإنه حين انتقال العارف بالموت الحقيقي ينتهي للمعرفة صورة يستودع العلم لئلا يمر الزمان بغير واحد مستخلف ، فيكون تهيؤ هذه الصورة بواسطة العارف المنتقل ، ولا معنى للقول إلا بواسطة ، فكأنه في حال تهيؤ وهذه الصورة لاستيداع العلم يكون العارف بانتقاله قد قال للّه : خذ الصورة المهيأة للأخذ ، فالحاصل منه أنني لا آخذ إلا بعد انتقالك بواسطة وجودك . وقوله : ( وما أفلت إلا مملوك ) في الشرح السابق عليه كفاية لكننا نزيده إيضاحا ، فنقول : إنه إذا تهيأت حين انتقال العارف صورة ، فقولنا : بالصورة ينطلق على جزء وكل جزء عبد والعبد مملوك ، كما قال فيريد به أنه لا يهيأ للمعرفة إلا عبد مستعد والعبد محكوم عليه ، فالمراد من التهيؤ قول العارف لا غير وصورة هذا القول أمر العارف بانتقاله . وقوله : ( وما ملك إلا مقهور ) ، معناه أن كل متجزئ مقهور بالطاعة ، فنفس هذا التجزؤ أوجب حكم الجامع على المجموع ، فكل متجزئ داخل تحت جمعية هذا الاسم وليس يهيأ للمعرفة إلا جزء وقد صدق عليه اسم الطاعة ، وكل مطيع مملوك ، والمملوك داخل تحت ذل القهر . قوله : ( وما قهر إلا محصور ) يعنى به أنه لولا الوجود المدرك لما قهر اللّه مظاهره وهذا المدرك متجزئ وكل مجزأ محصور في جزئيته وكل محصور مقهور بحضرة ، هذا معنى قوله : وما قهر إلا محصور يعني به أنه لولا الحصر الذي يصدق عليه التجزؤ لما وجب القهر لجمعية هذه الأشياء المتكثرة قوله : ( لي وما حصر إلا محدث ) معناه أنه لا يدرك المحدث إلا محصورا لأننا لا نتعقل في هذا الوجود الظاهر إلا أمثالا محصورة متعددة ، فلو لا التجزؤ لما أدركنا حدوثا زائدا على وجودنا لكن وجود الأمثال تعقلنا أننا محدثون إذا أدركنا حدوث المثل قوله : ( وما حدث إلا عدم ) معناه أنه الذي يدرك من الحدوث والسبق على المثل والخفاء والظهور كل ذلك نسب وهذه النسب مقتضى الكمال ، وليس المراد من الكمال الفاعل لهذه النسب سوى العبارة فقط لأننا إذا قلنا أن الكمال يقتضي وجود الجهل والعلم ، فنكون قد أثبتنا عالما وجاهلا ، وليس مرادنا هذا الإثبات ، وإنما مرادنا العبارة المذكورة بالنسبة إلى الوجود المدرك ، فلما وجب إدراك العلم والجهل التزمنا أن نعبر بالكمال الجامع لهذا كله والحقيقة من وراء هذه العبارة ، وليس لهذا كله